محمد رأفت سعيد

147

تاريخ نزول القرآن الكريم

وكذلك ما يتعلق بالسلوك الاجتماعي مع ضعاف الناس ، وتقويم السلوك الإنسانى بتذكر المصير والرجوع إلى الله سبحانه ، وبيان حالة النفس الراضية المرضية . ويكون التعليم في هذه القضايا بأساليب قرآنية كريمة منها ما يتصل بعرض نماذج الفساد والطغيان السابقة والتي وقعت في الأمم ، وكان مصيرها الهلاك ، ولا يخفى ذلك على ذي لب ، فإن كان المشركون في عنادهم وتحديهم يرون أنهم في قوة فقد كان الطغاة قبلهم أشد منهم قوة أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 16 ) وهؤلاء كانوا متمردين عصاة جبارين عن طاعة الله مكذبين لرسله ، جاحدين لكتبه فانظر كيف أهلكهم الله ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبرا . ونجى الله رسوله هودا من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم وأهلك الآخرين ب صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ( 6 ) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ( 7 ) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ( 8 ) [ الحاقه ] . إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد ، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشا ، ولهذا ذكرهم نبيهم هود بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم فقال : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 69 ) [ الأعراف ] وقال تعالى : فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [ فصلت : 15 ] والنموذج الآخر من الطغيان يتمثل في ثمود الذين جابوا الصخر بالواد ، يعنى يقطعون الصخر بالوادي ، وهذا دليل قوة . قال تعالى : وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ ( 149 ) [ الشعراء ] ، والنموذج الثالث : وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( 10 ) فكان يوتد الناس بالأوتاد تعذيبا لهم على ما ذكر مجاهد فهؤلاء يمثلون نماذج من الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ( 12 ) فانظروا إليهم وانظروا كيف أنزل الله عليهم رجزا من السماء ، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين . فلا يحسبن هؤلاء أن الله غافل عن المجرمين إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 14 ) يسمع ويرى ويرصد خلقه فيما يعملون ويجازى كلا بسعيه ، في الدنيا والأخرى ، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله ، ويقابل كلا بما يستحقه وهو المنزه عن الظلم والجور .